يعدّ الاقتصاد التركي واحداً من أبرز الاقتصادات الناشئة التي تبنت سياسات الانفتاح التجاري تحقيقاً للنمو الاقتصادي خلال العقد الأخير، بالرغم من التقلّبات والتحديات التي واجهت الحكومة التركية وما زالت تواجهها، محلياً ودولياً.

وخلال الأشهر الماضية، برزت قدرة الاقتصاد التركي على امتصاص آثار الأزمات الدبلوماسية والتقلّبات السياسية داخلياً وخارجياً، حيث يرتكز اقتصادها على عدة دعائم أساسية منحت الحكومة التركية هامشاً من المناورة في دهاليز السياسة الخارجية.

وتتمثل هذه الركائز في البنية المتنوعة للاقتصاد؛ من زراعة وصناعة وسياحة، وغيرها من القطاعات، وعدم اعتماده على الإيرادات الريعية، فضلاً عن حجم الشراكات والتبادلات التجارية الضخمة على مستوى العالم.

وبالإضافة إلى ما سبق، يعدّ نجاح الحكومة التركية في تأسيس بنية تحتية قوية ومتطورة في جميع المجالات؛ من اتصالات، ومواصلات، وموانئ، عاملاً مساعداً في توفير بيئة جاذبة للاستثمارات الخارجية.

 

فعلى سبيل المثال، يسهم القطاع الزراعي بشكل بارز في تحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي، وذلك من خلال ما يوفّره من فرص تشغيل لأكثر من ثلاثة ملايين عامل، وزيادة نسب التصدير، حيث تنتج تركيا أكثر من 1500 منتج زراعي تُصدّر إلى أكثر من 150 دولة حول العالم، متبوئة المركز الثالث عالمياً بعد الهند والصين في مجال الإنتاج الزراعي.

 

كما يؤدي قطاع السياحة دوراً محورياً في دفع عجلة الاقتصاد التركي، حيث احتلت تركيا المرتبة السادسة عالمياً كأكثر الوجهات السياحية في العالم، فتساهم السياحة في تدفق أكثر من 35 مليار دولار سنوياً.

وإضافة الى ذلك، تبنّت الحكومة التركية سياسات اقتصادية استهدفت من خلالها تعزيز قطاع الاستثمار في البنية التحتية، حيث بلغت قيمتها في القطاعين العام والخاص أكثر من 135 مليار دولار، فضلاً عن النمو الملحوظ في قطاع الصناعات الثقيلة، وما يضيفه من مساهمة مباشرة في استقرار الاقتصاد التركي ونموه. كما وساهمت التسهيلات الاستثمارية التى تمنح للمستمثرين الاجانب في رفع مساهمة القطاع العقاري في الاقتصاد التركي.

 

الأعلى نمواً في العام 2017

وكانت مؤسسة الإحصاء التركية  قد اعلنت قبل أيام أن الاقتصاد التركي حقق نمو وصل 7.4 % في العام 2017، وأن معظم القطاعات الاقتصادية حققت معدلات نمو جيدة مقارنة بالعام 2016. وساهمت العديد من الأسباب  في تحقيق ذلك النمو. فالاقتصاد التركي لم يصل إلى مرحلة التشبع مثل الدول المتقدمة (فمعظم الدول التي حققت أفضل معدلات نمو في العام 2017 هي دول ناشئة مثل تركيا، الصين، الهند، اندونيسيا) حيث إن القطاعات الاقتصادية في هذه الدول لديها مساحة أكبر لامتصاص المزيد من النمو (كونها في مرحلة انتقالية وغير متشبعة). كما لعبت سياسة الحكومة التحفيزية للقطاع الخاص في نمو قطاع الاستثمار بنسبة وصلت 9% من خلال تبنيها نظام ضمان الائتمان الحكومي على القروض، حيث تم ضخ قرابة 70 مليار دولار (من البنوك) إلى الشركات التركية. إضافة إلى ذلك ساهم انخفاض الليرة التركية في ارتفاع حجم الصادرات التى وصلت أعلى مستويات لها في تاريخ تركيا (157 مليار دولار).

 

ناهيك عن الدور الذي قام به الرئيس أردوغان في استغلال العلاقات السياسية في دعم الاقتصاد الوطني من خلال العدد الهائل من الاتفاقيات والمعاهدات التجارية والاستثمارية التى وقعتها الحكومة خلال العام 2017 مع معظم دول العالم، الأمر الذي قلل من تأثير المخاطر السياسية أو مخاطر السوق، حيث انعكست تلك الاتفاقيات إيجابا على معظم القطاعات الاقتصادية خلال العام. إضافة إلى حالة التماسك التي أظهرها الاقتصاد التركي بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، انعكست ايجابيا على ثقة المستثمرين بصلابة الاقتصاد التركي، وظهرت آثارها في العام 2017.

كل هذه الركائز أكسبت الاقتصاد التركي نوعاً من المرونة في امتصاص الآثار السلبية للتقلبات والأزمات السياسية والاقتصادية على المستوي الدولي  ، وهذا ما أثبتته الأشهر الماضية، خصوصاً بعد صموده في أعقاب الانقلاب العسكري الفاشل العام الماضي، فضلاً عن تجاوزه آثار أزمة الطائرة الروسية، والأزمة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ، والعمليات العسكرية على الحدود السورية ، وغيرها.